صالح حميد / عبد الرحمن ملوح
28
موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )
الإمكانات التي تؤهله لنقل ما ينويه إلى حيز التطبيق « 1 » وهنا تنبثق جملة حقائق ذات قيمة في التوجيه التربوي . فهي أولا : ترتفع بقيمة الإنسان ، حين تجعله أهلا لاحتمال تبعة اتجاهه ، وتمنحه حرية الاختيار ( في إطار المشيئة الإلهية التي شاءت له هذه الحرية فيما يختار ) فالحرية والتبعة يضعان هذا الكائن في مكان كريم ، ويقرران له في هذا الوجود منزلة عالية تليق بالخليقة التي نفخ اللّه فيها من روحه وسواها بيده ، وفضلها على كثير من العالمين . وهي ثانيا : تلقي على هذا الكائن تبعة مصيره ، وتجعل أمره بين يديه ( في إطار المشيئة الكبرى كما أسلفنا ) فتثير في حسه كل مشاعر اليقظة والتحرج والتقوى . وهو يعلم أن قدر اللّه فيه يتحقق من خلال تصرفه هو بنفسه : إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ « 2 » . وهي تبعة ثقيلة لا يغفل صاحبها ولا يغفو ! وهي ثالثا : تشعر هذا الإنسان بالحاجة الدائمة للرجوع إلى الموازين الإلهية الثابتة ، ليظل على يقين أن هواه لم يخدعه ، ولم يضلله ، كي لا يقوده الهوى إلى المهلكة ، ولا يحق عليه قدر اللّه فيمن يجعل إلهه هواه ، وبذلك يظل قريبا من اللّه ، يهتدي بهديه ، ويستضيء بالنور الذي أمده به في متاهات الطريق ! ومن ثم فلا نهاية لما يملك هذا الإنسان أن يصل إليه من تزكية النفوس وتطهيرها ويتطهر في هذا العباب الذي يتدفق حوله من ينابيع الوجود « 3 » . 5 - تدريب القوى العقلية وتنشيطها للقيام بمهامها على الوجه الأكمل : ويتمثل ذلك فيما يلي : - أ - اليقظة : إن صدمة الابتلاء - خاصة بالضراء - هي بمثابة صيحة النذير لقوم نيام تنبههم من سبات نوم الغفلة ، وسكرة أحلام اليقظة ، يقول اللّه تعالى واصفا أولئك الذين غرقوا في مجر الغفلة لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ « 4 » ، وهذه اليقظة « 5 » هي - كما يقول ابن القيم - أول منازل العبودية ، وتعنى انزعاج القلب لروعة الانتباه من رقدة الغافلين ، وللّه ما أنفع هذه الروعة وما أعظم قدرها ، وما أقوى إعانتها على السلوك ، ومن اليقظة ينتقل الإنسان إلى منزلة العزم ( وهو العقد الجازم على الشيء ) ، وبحسب كمال انتباهه ويقظته تكون عزيمته ، وبحسب قوة عزمه يكون استعداده « 6 » ، وبحسب استعداده يكون تذكره . ب - التفكر والتأمل والاعتبار : إذا ابتلى الإنسان واستيقظ بدأ مرحلة التفكر والتأمل وإعمال الخاطر في تجربة الابتلاء ، ورددها قلبه معتبرا ، يقول ابن القيم - رحمه اللّه - : « أصل الخير والشر من قبل التفكر ، لأن الفكر مبدأ الإرادة والطلب وأنفع الفكر الفكر في مصالح المعاد ( ما يتعلق بالآخرة ) وفي طرق اجتلابها ، وفي دفع مفاسد المعاد ، وفي طرق اجتنابها ، فهذه أربعة أفكار هي أجل الأفكار ، ويليها أربعة : فكر في مصالح الدنيا ، وطرق تحصيلها ، وفكر في مفاسد الدنيا ،
--> ( 1 ) أسعد السحمراني ، الأخلاق والفلسفة القديمة ، ص 26 . ( 2 ) الرعد / 11 . ( 3 ) في ظلال القرآن ( 6 / 3918 ) . ( 4 ) الحجر / 72 . ( 5 ) انظر صفة اليقظة . ( 6 ) مدارج السالكين 1 / 138 - 139 ( بتصرف ) .